قراءة في أحداث 'الأهواز'!
كتبهاابو سعود ، في 25 نوفمبر 2007 الساعة: 21:54 م
ثمة أسئلة عديدة تحتاج إلى إجابة فيما يتعلق بقضية اضطرابات منطقة الأهواز أو إقليم عربستان كما يسميه سكان الإقليم أو خوزستان كما تسميه السلطات الإيرانية، ومن بين هذه الأسئلة دلالة توقيت هذه الأحداث وأسبابها ودوافعها، وهل تندرج في إطار ما يمكن تسميته السياسة الأمريكية للإصلاح من الداخل في دول الشرق الأوسط عبر شماعة الأقليات حينا والأحزاب المعارضة حينا آخر؟ أم أن أجندة سياسية وعرقية لعبت دورا في تحريك ماء عربستان الراكد؟!
وللإجابة على هذه الأسئلة ينبغي استحضار التاريخ والاتكاء عليه لفهم طبيعة ما يحدث اليوم في هذه المنطقة المضطربة منذ نحو 8 عاما!
* تاريخ من الاضطهاد!
اتسم حكم شاه إيران ( محمد رضا بهلوي) بالعنصرية والرفض لكل ما هو عربي في الأهواز، ونهب ثرواته النفطية التي لا زالت تشكل نحو 9% من صادرات إيران، كما شرع ببناء مستوطنات فارسية على غرار المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين لأحداث خلل ديمغرافي في التركيبة السكانية حيث الأكثرية العربية في تلك المناطق.
فقد قام الرجل بضم المنطقة إلى السيادة الإيرانية عام 1925، وكان إقليم عربستان يسمى قديماً إمارة المحمرة سكانها عرب مائة بالمائة، وكان لها معاهدات مع بريطانيا ودول الخليج. وثمة ممارسات عرفية وقمعية تعرض لها العرب في منطقة الأهواز على مدار السنوات الماضية، من قبيل منع استخدام اللغة العربية في الدوائر الحكومية وتغيير أسماء المدن والقرى العربية التاريخية واستبدالها بأسماء فارسية وممارسة شتى أساليب الدمج الإجباري والتهجير القسري.
أما بعد قيام الثورة؛ فإنّ السياسات الإيرانية تجاه الشعب الأهوازي لم تتغير في جوهرها ومراميها، رغم مشاركة عرب الأهواز بفاعلية في تلك الثورة، فعادت علاقة نظام الملالي في إيران مع عرب الأهواز إلى سابق عهدها من ظلم وقمع وتهميش وطمس للهوية العربية.
http://alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=6574
* أجندة سياسية أم عرقية!
استنادا للمراجع التاريخية يمكن القول إن العرب كانوا يقطنون المناطق الجنوبية من إيران كالأهواز وفارس وكرمان، وبالتالي يمكن اعتبار العرب السكان الأصليين لإيران القديمة. ويشكل عرب الأهواز (خوزستان) أكثر من 3 ملايين نسمة، أي نحو 5 في المائة من سكان إيران ولهم تاريخ عريق في مقاومة عملية "التفريس" التي مورست ضدهم خلال الحقب الماضية. فهم يشكلون أكثر من 6 في المائة من سكان محافظة خوزستان ونحو 7 في المائة من سكان مدينة الأهواز وهي عاصمة المحافظة. وتقطن الأغلبية العربية أي السكان الأصليين في مدينة الأهواز -وهي سادس مدن إيران الكبرى- أحياء شعبية مكتظة بالسكان وفقيرة.
ولم تأت الثورة الشعبية كما أسلفنا بجديد على صعيد وضع العرب في إيران، غير أن الفترة التي تلت انتخاب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية هيأت الأجواء لبوادر انفتاح وإصلاح في المناطق العربية.
ومن المهم الإشارة إلى أن عرب الأهواز صوتوا في الانتخابات الإيرانية للرئيس خاتمي سعيا منهم وراء الإصلاح وتغيير السياسات بحقهم إلا أن ذلك لم يحدث تماما.
والحقيقة أن عرب إيران عانوا في ظل نظام الشاه ويعانون اليوم في ظل المحافظين كما أنهم يعانون من الإصلاحيين أيضا على حد سواء. الاضطهاد القومي هنا ينسجم مع الاضطهاد الطبقي ليصبح اضطهادا قوميا طبقيا. فالأحياء العربية في مدينة الأهواز تعاني من نسبة مرتفعة للبطالة والإدمان والجريمة والخلافات العشائرية.
والحياة في مثل هذه الأحياء المكتظة بالسكان قاسية في أكواخ وبيوت صغيرة يشتغل عادة أربابها كعمال في المعامل والمصانع أو في مهن وضيعة وبسيطة. فيما تهيمن الأقلية غير العربية على الدوائر الحكومية والاقتصاد والتجارة الرئيسة.
بعض المحللين ينظر إلى هذه المظاهرات، باعتبارها أكبر مظاهرة احتجاجية للعرب الأهوازيين خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، بأهمية كبيرة فهي تأتي في توقيت متسق ومتوازي مع الضغوطات الأمريكية على إيران فيما يتعلق بملفها النووي، وفي سياق متصل مع ما يجتاح بعض دول العالم من ثورات برتقالية وتغيير أو إسقاط للأنظمة إما بأيدي أقليات أو من خلال المعارضة.
لكن القضية وما فيها هنا أن القوميات والشعوب الإيرانية ومنها العرب الأهوازيون والكرد والأتراك الآذريين عانوا خلال الأعوام الثمانين الماضية من شتى صنوف الاضطهاد القومي والمذهبي وخاصة في عهد العائلة المالكة عائلة البهلوي العنصرية.
وقد مهدت الظروف الناجمة عن انفتاح الأجواء السياسية خلال الأعوام الخمس الماضية في إيران، الأرضية المناسبة للشعوب الإيرانية غير الفارسية كي تبحث عن هويتها وذلك بنشرها الصحف والكتب حول تاريخها وآدابها وثقافتها وإقامة مهرجاناتها واجتماعاتها الثقافية وأمسياتها الأدبية والشعرية والاحتفاء بأبطالها القوميين وأعيادها الخاصة بها. وأخذ المد القومي بين القوميات غير الفارسية بالاتساع والتطور بحيث أصبح الأمر نوعا من (العودة إلى الذات) والتحرر من الاستلاب القومي خاصة بين العرب الأهوازيين.
وثمة شواهد على ذلك كله، فالاستماع إلى الموسيقي العربية والاهتمام بالمسرح والكتاب العربي وإنشاء الفرق الموسيقية والمسرحية والمؤسسات المدنية وارتداء الدشداشة والكوفية والعقال والاعتزاز بالهوية والقومية العربية كلها ظواهر لم تكن موجودة على الأقل قبل عشرات السنين.
وتطور الأمر إلى إنشاء مؤسسات مدنية تخص العرب الأهوازيين في مدن المحافظة وفي العاصمة طهران، وكذلك إنشاء مؤسسات ثقافية في أحياء مدينة الأهواز وسائر المدن العربية في المحافظة، لكن هذا الإقبال من عرب الأهواز على العروبة لم يقابل بأي اهتمام رسمي ولا حتى شعبي في أي من الدول العربية أو حتى جامعة الدول العربية.
وهنا نشير إلى أن هذا المد القومي للأهوازين قوبل بشيء من التسامح من قبل الإصلاحيين، لكنه ووجه ويواجه بشدة من قبل المحافظين الجالسين الماسكين بمقاليد السلطة في إيران على الرغم من التنوع الطائفي لعرب إيران بين أغلبية شيعية وأقلية سنية!
* التوقيت ..هل من دلالات؟
يعزو البعض توقيت هذه الحملة التي شنها التيار اليميني المتشدد في إيران إلى اقتراب موعد انتخابات المجالس البلدية التي تشكل الأغلبية العربية في المدينة القاعدة الأساسية للمرشحين الإصلاحيين والقوميين العرب وهذا ما لا يرغبه المتشددون.
فثمة محاولات بحسب ما قرأنا واطلعنا لثني عرب إيران عن المشاركة في الانتخابات البلدية أو محاولة دعم الإصلاحيين. وفي السياق ذاته يمكن القول إن إفرازات داخلية في إيران دفعت باتجاه افتعال هذه الأزمة للتغطية على مشاكل وملفات داخلية وأخرى خارجية من قبيل تخفيف الضغط الأوروبي والأمريكي كما قلنا على طهران ومن قبيل التغطية وتشتيت الانتباه عن التغلغل الإيراني في العراق ومن قبيل الصراع ما بين المتشددين والإصلاحيين..الخ.
إلا أن اللافت هو أنه لا يوجد أي أثر للأحداث الأخيرة في الأهواز في الصحافة الإصلاحية، إذ اختارت القوى الإصلاحية والقومية والدينية الليبرالية الإيرانية الصمت، ولم يكن الإعلام العربي أفضل حالا، فباستثناء قناتي المستقلة والجزيرة لم يتطرق أحد لما يجري هناك.
إذن ثمة تعتيم إعلامي عربي فضلا عن التعتيم الإيراني على ما يجري في الأهواز، ولكن في المقابل ثمة مبالغة في الحديث عن تطهير قومي في المنطقة من قبل بعض الجهات التي تسعى للضغط بورقة الأهواز على النظام الإيراني. غير أن أكثر ما في الأمر حضورا هو قصور الدور العربي والإسلامي في هذه القضية العربية القومية!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مجلة العصر | السمات:مجلة العصر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























