
يحتوى العدد الجديد من مجلة "مختارات إيرانية" -رقم 82- التى تصدر عن مؤسسة الأهرام الصحفية بالقاهرة، برئاسة تحرير الدكتور محمد السعيد إدريس - العديد من الدراسات والأبحاث المهمة، التى تبرز سياسات إيران وعلاقاتها بدول المنطقة والعالم الغربي، منها: المؤسسة الدينية فى إيران، العلاقات الهندية الإيرانية، هل يعود الإصلاحيون للحكم بقيادة خاتمي؟، مشاركة الأحزاب فى الملف النووى، الوضع العلمى فى الجامعات الإيرانية، البرنامج الإيرانى لمواجهة الهجمة الأمريكية، وغيرها.
الصراع حول مضيق هرمز
جاء محور "مضيق هرمز فى بؤرة الصراع الإيرانى - الأمريكي" على رأس اهتمامات المجلة، وفى هذه القضية كتب اللواء المتقاعد حسام سويلم مشيراً إلى أنه فى الوقت الذى يتحدث فيه العالم عن سيناريوهات ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، يؤكد المحلّلون أن النفط سيشكل عاملاً حاسماً فى لجم اندفاع الأمريكيين إلى الخيار العسكري، موضحين أن إيران قادرة على تعطيل نقل النفط عن طريق مضيق هرمز الذى يمرّ عبره أكثر من نصف إنتاج الخليج من النفط، إذ إن إغلاقه سيؤدى إلى رفع أسعار النفط إلى أكثر من 200 دولار للبرميل، مما يضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاديات العالمية، وهو ما يمكن أن يحول دون توجيه ضربة إلى إيران.
وحول الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، يوضح اللواء حسام سويلم أن منطقة الخليج العربى كانت تمثّل أهمية بالغة فى الأمس، بحكم موقعها الجيواستراتيجى الغربى الذى يربط وسط آسيا بغربها، ومع بحر العرب والمحيط الهندى وإفريقيا عبر البحر الأحمر. واليوم بلغت ذروة أهميتها لكونها تسيطر على محيط نفطى لا حدود له يحوى حوالى 730 مليار برميل. وقد زادت الأهمية الاستراتيجية والنفطية للخليج العربى من أهمية مضيق هرمز، الذى يعد الباب الذى تخرج منه صادرات النفط إلى الدول المستهلكة، والعالم الصناعى على وجه الخصوص، والتى تبلغ أكثر من 17 مليون برميل يومياً.
وقضية مضيق هرمز، دون سواها فى منظور الجغرافيا السياسية "الجيوبوليتيكي"، تأخذ أهميتها بحكم موقع المضيق المهم الذى يربط بين الخليج العربى وخليج عمان، وهو بذلك يدخل فى نطاق المضايق التى تصل بين بحرين عامين هما بحر عمان والمحيط الهندى والخليج العربى الذى تقع عليه جميع دول الخليج من ناحية المغرب والعراق من الشمال وإيران من الناحية الشرقية.
جغرافية "هرمز"
هو بذلك يدخل فى نطاق المضايق من الناحية القانونية الدولية. لذلك يعدّ مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية فى العالم وأكثر حركة للسفن، إذ يعبره أكثر من 40 فى المائة من نفط العالم بمعدل يتراوح بين 20 و30 ناقلة نفط يومياً، وبمعدل ناقلة كل ست دقائق فى ساعات الذروة. ويقع المضيق بين إيران فى الشمال والشمال الغربى وعمان فى الجنوب، وتتألف شواطئه الشمالية من الجزء الشرقى "لجزيرة كيشيم" مع جزر "لاراك" و"هينجام". أما شواطئه الجنوبية فتتألف من الساحلين الغربى والشمالى لشبه جزيرة موزندام الواقعة فى أقصى الشمال بالأراضى الرئيسية لسلطنة عمان.
وفى خليج عمان يبلغ عرض الطريق فى المضيق فى الاتجاه الشمالى نحو 30 ميلاً، ويجرى المضيق نفسه فى الاتجاه الجنوبى الغربى العام ويضيق حتى يصل عرضه إلى حوالى 20 ميلاً عند النهاية الشمالية الشرقية بين جزيرة لاراك وجزيرة كوين التى تبعد نحو 50.8 ميل فى الاتجاه الشمالى لشبه جزيرة موزندام، ثم يبلغ العرض فى شبه الجزيرة هذه والساحل الشرقى لجزيرة كيشيم نحو 28 ميلاً ويبلغ طول جزيرة كيشيم نحو 60 ميلاً وتقع بموازاة الساحل الإيرانى ومفصولة عنه بواسطة مضيق كلانس وهو مضيق ضيق ومعقد.
وبما أن اتساع المضيق نحو 23 ميلاً، فإنه يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية، ولكونه يربط بين جزءين من البحار العالمية، فإنه يخضع لمرور الملاحة الدولية من دون الحاجة إلى إجازة مسبقة من الدولتين الساحليّتين، فيما يعتبر الخط الوسط هو الحد الفاصل بين المياه الإقليمية للدولتين فى حالة وجود أو عدم وجود معاهدة بينهما. وإذا كانت المياه الإقليمية متداخلة بسبب ضيق المضيق بالنسبة إلى مياهها الإقليمية فإن خط الحدود بينهما إما يثبت فى وسط المضيق أو المركز البحرى الوسيط، ما لم ينظم خلاف ذلك بمقتضى اتفاقات خاصة.
تهديدات بإغلاق المضيق
من الناحية العسكرية - يقول اللواء حسام سويلم - تسيطر القاعدة البحرية الإيرانية "بندر عباس" على حركة السفن فى المضيق من الشمال، والجزر الإماراتية الثلاث "أبو موسى"، "طنب الكبرى"، و"طنب الصغرى" من الجنوب الغربي. وقد سارعت إيران باحتلال هذه الجزر الثلاث بالقوة فور انسحاب القوات البريطانية عام 1971. وما زالت هذه القضية موضع تنازع دولى بين إيران والإمارات، حيث ترفض الأولى إعادتها للإمارات بزعم أنها إيرانية الأصل.
وقد دعمت إيران فيها وسائل دفاعها الساحلى والجوي. وتتمثل خطورة التواجد العسكرى الإيرانى فى هذه الجزر الثلاث فى أنها تشكل قواعد إيرانية لأى هجوم بحرى إيرانى ضد دولة الإمارات محتمل فى المستقبل.
وإبان الحرب الإيرانية العراقية التى دامت ثمانى سنوات 1980 و1989، أطلق المسؤولون الإيرانيّون التهديدات بإغلاق المضيق فى وجه الملاحة الدولية. ودارت آنذاك ما يعرف بحرب الناقلات، وكانت ناقلات النفط الكويتى تتحرك تحت حماية أمريكية. وكانت للتهديدات الإيرانية ردود فعل عنيفة عبرت عن القلق والاهتمام الشديدين بهذا المرفأ البحرى الدولى الذى لا غنى عنه للملاحة فى الخليج العربى الذى يعتبر شرياناً لإمدادات النفط للعالم الصناعي، خصوصاً بعد أن هدد هاشمى رفنسجانى - رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك - رسمياً بإغلاق المضيق أو ضربه إذا حتّمت الظروف، مشيراً إلى أن إيران ليست فى حاجة إليه.
ويوضح اللواء حسام سويلم أنه مع سخونة الملف النووى الإيرانى اليوم إلى جانب تردى الموقف الأمنى فى العراق بسبب التدخل الإيرانى فى العراق، وما يتسبب فيه ذلك من تكبيد القوات الأمريكية هناك خسائر بشرية مادية جسيمة. وبعد أن فرض مجلس الأمن الدولى عقوبات سياسية واقتصادية على إيران بموجب قرارين صدرا منه بالإجماع "1737، 1747" يمهدان لما بعدهما من قرارات أخرى - تصعّد من حجم العقوبات ونوعيّاتها إذا لم تستجب إيران لشروط المجتمع الدولى بإيقاف عمليات تخصيب اليورانيوم، وبما يعطى ذريعة فى هذه الحالة لشن عملية عسكرية ضد إيران بواسطة الولايات المتحدة وحلفائها - تبرز مرة أخرى قضية مضيق هرمز كورقة مهمة فى لعبة المناورات السياسية والنفطية والاستراتيجية، وخصوصاً فى ضوء التصريحات النارية لرئيس جمهورية إيران أحمدى نجاد ومرشد الثورة الإيرانية على خامنئي، ومع تكثيف التواجد العسكرى البحرى والجوى والبرى الأمريكى فى منطقة الخليج، والتهديدات الأمريكية المضادة، فإن الخيار العسكرى ضد إيران غير مستبعد من قائمة الخيارات الأمريكية.
استعدادات إيران العسكرية
حول خطة إيران للسيطرة على مضيق هرمز يقول اللواء حسام سويلم "تشير تقارير أجهزة المخابرات الغربية إلى أن إيران وضعت خطة من أجل الاستيلاء على المضيق وإغلاقه فى أقصر وقت ممكن إذا ما نشبت حرب بينها وبين الولايات المتحدة، معتمدة فى ذلك على أن الحرس الثورى يمتلك 700 موقع ميناء ومرسى وجزيرة ونقاط مختلفة، وذلك على طول الضفة الشرقية للخليج العربي، يستخدمها عادة للتهريب، وفى أوقات الضرورة قد يستخدمها لأغراض عسكرية فى اعتراض السفن الحربية والتجارية وناقلات النفط ومنعها من المرور فى المضيق، وهو أمر بديهى إذا ما نشبت الحرب.
وذلك بواسطة ما يملكه من زوارق صواريخ وزوارق انتحارية، أو عبر زرع الألغام البحرية على جنبات المضيق. وكشفت إيران خلال المناورات البحرية التى أجرتها قوات الحرس الثورى والبحرية النظامية عن عدة تطويرات أجرتها على أنظمة التسليح البحرية، ترتبط معظمها، بخطط العمليات تجاه مضيق هرمز. ففى المناورة "الرسول الأعظم 1" التى جرت فى مارس/ آذار 2006 كشفت إيران عن تطوير الغواصة الصغيرة "قادر" والتى بإمكانها شن عمليات إنزال مجموعات كوماندوز لمهاجمة قواعد، وأهداف بحرية معادية وذلك بمساعدة















